03‏/08‏/2012

مَـنـصـور




هذه القصة نُشِرت بتاريخ اليوم على موقع الجزيرة توك من هُنا
____


إزدادت سرعة الكُرة على المُنحَدَر
تقافزت عِدَّةُ أمتارٍ حتى إرتطمت بواجهة محلٍ يبيع ضروريات اليوم ولا شىء أكثر


" دخيلك يا منصور .. قِلّتلّك مليون مرّة ماتيجى تلعب بالطابة قِدام المَحَل "


يقترب صبىّ لم يتجاوز العشرة أعوام يرتدى شيرت رمادى وبنطال بيجامة وحذاءٍ مفتوح
يفرُك شعره فى خجلٍ مُصطنع لا يدارى شقاوةٍ تتوهّج من عينيه
 " اسف عمو .. هى يلى إجت هون من دون قصد "


يلتقط الكُرة بسرعة وينطلق مُسرِعاً قبل أن يوبِّخه صاحب المحل أكثر


يجرى منصور فى شارع بيته وهو يركل الكُرة مُدندناً
 " لبيك اسلام البطولة كلنا نفدي الحمى 
لبيك واجعل من جماجمنا لعزِّك سُلَّما
لبيك ان عطش اللواء سكب الشباب له الدماء " 


يقف على أعتابِ منزله
يمسح حذائه فى خِرقةٍ وُضِعَت على الأعتاب
ثم يتأبّط كُرته وينفِض ما عَلَق فى ملابِسِه من غُبار


" أنا إجيت يُمَّة "


فيأتى ردُّها من أقصى المنزل
" تعا يا ولدى ساعدنى بترتيب الفطور ..
 بعده بيَّك ما إجا "


يتأفف قليلاً أنه مازال يتبقى ساعةٌ كامِلة على آذان المغرب
يمسح على حلقه الجاف ويتمنّى شربة ماء
ثم يتمالك نفسه أنه قد " فات الكثير وما بقى غير القليل "


يدخُل المطبَخ ويناول أمه بعض الصُحون
يكنِس جلسة الإفطار ويعيد ترتيب المساند والوسائد حولها جيداً
يضع الطاولة الخشبية قصيرة الأقدام فى المُنتصف ثم يُرتِّب عليها الملاعِق وأكواب التَمر


يجلس هو ووالدته على مائدة إفطار كان أكثر ما عليها هو الخُبز والتمر والماء
يسأل :
" بيّى خرج مع عمو صالِح اليوم ؟ "


تنظر إليه بنصف عين وتتلهى بإعادة توزيع أدوات الطعام القليلة للمرة ثانية
" ما بعرِف "
جاء ردُّها يُظهِر أكثر مما يُخفى


لحظاتٌ من إنتظار ثُم ينطلق المذياع بالأذان
يلتقط كوبه وينظر نظرةً أخيرة على الباب علّ والده يدخُل فيلحق الإفطار معهم
ولكنه لم يكن هُناك
وضع ترف الكوب على شفتيه
" اللَّهُم لك صُمت وعلى رِزقِك أفطرت "


ينفجر الباب خلفه بركلة والده الذى دخل مُلثما مهرولاً تجاههم
" إنقلعوا برّة البيت !! بسرعة ! "


يسحب الصبى بيد وزوجته باليد الأخرى قبل أن يتمكن الفتى وأُمِه من فهم ما يحدُث


فى باحة المنزل الخارجيّة .. ما كادت أقدامهم تطأ خارِج الباب
حتى سمِعا دوىٌ تكاد تُصفِّر منه الآذان


لم يدر منصور ما يحدُث
كل ما رآه هو نيران فى كل الأرجاء
صوت والدته تصرُخ " يا الله!! "
وصوت والده يبح من فرط صراخه أن " إركضوا !! "


شعر بسخونةٍ لا توصف تلُف جسده
وتزيد من جفاف حلقهُ الصائِم إلى الآن
وشيئا فشيئا بدأت ألسنةٌ من النيران تلتهم ساقه اليُمنى


ظلامٍ وسكون .. رغم أن الالم الذى كان يشعر به لم يسكن مُطلقاً أو يهدأ


ومع اول وهجٍ من نور لَمَحه .. لم ير أى وجهٍ مألوف
" وين إمّى وبيّى ؟ وين أنا ؟ "


ثم إرتاع لهذا السوط من الألم الذى لاحظه فجأةً يَفتِك بساقه
رفع رأسه بينما دمعه ينهمر ليكتشف أنه بمشفىً ما .. لا يدرى متى وكيف وصل إليه
يحيطه عددٌ ليس بقليل من الرجال الذين لا يبدون كأطباء
هم أهل الحىّ .. ومابقى من الجيران بعد قصف الجيش النظامى على بيوتِهِم بالمدافِع الثقيلة
أول وجه يُميزه من بين دمعاته المُستمرة لا إرادياً من الألم فى الإنهمار
عمو صالِح  يحكى بعصبية شديدة أن النظام بدأ يستهدِف الأحياء الآمِنة الفقيرة بحلب
وان حيّهم لم يكن الاول فى خطة تفجيرات وقصف اليوم


شد أحدٌ على يده
نظر فإذا به والده .. وجهه مُلطخٍ بالرمادِ والبُكاء المُترفِّع عن البوح
" وين أمه يابوى ؟ "


تهدَّج صوت منصور بالبكاء
ووالده لا يجيبه بمكان والدته


يشتد الألم فى ساقه
يبكى صبى العشر سنوات من الألم
يحاول الطبيب .. الوحيد الموجود بهذا المشفى المتواضِع إلى حدٍ بعيد .. أن ينزع شظايا القُنبلة عن ساقِه المحروقة من الدرجة الثالِثه
ألم يفتِك بجسد الفتى الصغير .. ووجعٌ على أُمٍ لا يدرى أين هى ولماذا لا يجيبه والده بمكانها
يصرُخ منصور باكيا ألماً  يزلزل بلادً بأكملها
" آآآه "
يردد والده عليه
" كيف ربّيناك يامنصور "
" إنت رجّال اليوم ما بيصير تبكى "
بينما تدمع عيناه هو الآخر لرؤية فلذة كبده يُعانى هكذا ألم


ينظُر منصور لوالِده باكياً
وكلما إشتد الالم ردّد مستصرخاُ
" فى سبيل الله "
" فى سبيل الله "
" فى سبيل الله "
________

القصة مستوحاة من هذا المقطع !


هناك 6 تعليقات:

  1. انبهرت...واتشديت...واتأثرت بجد!!

    ردحذف
    الردود
    1. لا تنسيهم من الدُعاء رضوى ..

      حذف

  2. من أفضل ما قرأتُ هذا العام
    أحسنتِ

    ردحذف
  3. أنا بتبسط لما بقرألك

    ردحذف

همسًا حدِّثُني ..